منتدى طلاب و طالبات كلية الآداب و العلوم الإنسانية -بني ملال-
مرحبا بكم في منتدى كلية الآداب و العلوم الإنسانية ، جامعة السلطان مولاي سليمان ببني ملال ،
انخراطكم و مساهمتكم المثمرة الهادفة شرف لنا و تشجيع لطلبة الجامعة و لطلاب العلم.

منتدى طلاب و طالبات كلية الآداب و العلوم الإنسانية -بني ملال-

منتدى يسعى بشكل هادف إلى تبادل الدروس و المعلومات ، مد الجسور بين كل المتدخلين من طلبة و أساتذة بكلية الآداب و العلوم الإنسانية ببني ملال
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الصّوتيات عند ابن جني في ضَوء الدراسات اللغوية العربية والمعاصرة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 211
نقاط : 547
السمعة : 25
تاريخ التسجيل : 25/07/2012

مُساهمةموضوع: الصّوتيات عند ابن جني في ضَوء الدراسات اللغوية العربية والمعاصرة   الجمعة 7 ديسمبر 2012 - 12:50

الصّوتيات عند ابن جني في ضَوء الدراسات اللغوية العربية والمعاصرة

الصّوتيات عند ابن جني في ضَوء الدراسات اللغوية العربية والمعاصرة
عبد الفتاح المصري

أ-المقدمة:‏

ب-الصوتيات العربية قبل ابن جني:‏

1-البدايات.‏

2-جهود واتجاهات في الدرس الصوتي.‏

3-أسباب العناية بالصوتيات.‏

4-الأصالة والسبق.‏

ج-الصوتيات عند ابن جني.‏

1-اللغة أصوات.‏

2-علم الأصوات.‏

3-جهاز النطق.‏

4-الصوت والحرف.‏

5-الأصوات مفردة وتصنيفاتها‏

الصوامت والصوائت – مخارج الأصوات – الأصوات المجهورة والمهموسة – الشديدة والرخوة والمتوسطة – تصنيفات وصفات أخرى.‏

6-الأصوات في بنية الكلمة:‏

تأليف الحروف – التغيرات الصوتية.‏

7-الأصوات والدلالة:‏

الفونيم – النبر والتنغيم.‏

د-نظرة عامة.‏

هـ-خاتمة المطاف.‏
المقدمة:‏

*لعل من أبرز التطورات التي شهدها العلم في مطلع هذا القرن، ظهور علم جديد جنح إلى دراسة اللغة – هذه الظاهرة البشرية المتميزة – دراسة علمية، ونظر إليها على أنها ظاهرة طبيعية يمكن أن تخضع لما تخضع له ظواهر الطبيعة الأخرى من اختبار علمي ينتهي إلى قوانين ثابتة، ونعني به علم اللسانيات(1).‏

*لكن هذا العلم لم يظهر في ميدان العلوم الإنسانية، ويزاحمها، ليحتل مكان الصدارة دونما مقدمات فلقد كانت له جذوره الضاربة في أعماق الماضي، فنجد بدايته عند الهنود واليونان ثم العرب. وإذا كان من مؤرخي هذا العلم من غفل أو تغافل عن دور العرب في بناء صرح علم اللسانيات الحديث، وإذا وجد اليوم من يزعم ويردد أن هذا العلم وليد الحضارة الغربية، في أحضانها نشأ، وفي أرضها ترعرع حتى استوى عوده، فإن هذا أو ذاك لا ينفي حقيقة واقعة تؤيدها النصوص الثابتة، تقول: إن للعرب فضل السبق في بحث جوانب في علم اللسانيات، وصلوا فيها إلى نتائج يحق لهم أن يفاخروا بها الأمم.‏

*وهذه الدراسة محاولة لبيان بعض صنيع العرب في جانب توليه اللسانيات الحديثة عناية كبيرة حين تدرس لغة ما، هو الجانب الصوتي، فلقد بات من المعروف أن اللغة – أي لغة – تدرس اليوم من جوانب أربعة هي:‏

1-جانب الأصوات: Phonology-Phonetics.‏

2-جانب بناء الكلمة: Morphology.‏

3-جانب بناء الجملة: Syntax.‏

4-جانب الدلالة: Semantics.‏

والجانب الصوتي هو الأول والأهم، وعليه العمدة في دراسة الجوانب الثلاثة الأخرى، ويدور حوله معظم الدراسات اللسانية المعاصرة، ولأهميته مظاهر لسنا بصدد بيانها، إلا أن الذي يعنينا في هذا المقام هو أن العرب تنبهوا قديماً على قيمة الصوتيات الكبيرة في الدرس اللغوي، وكان لهذا التنبيه مظاهر متعددة سنذكر أبرزها، كما يعنينا أن نقول: إن بين العرب علماء لغويين أفذاذاً، لا يقلون في الأهمية عما يعرف الغرب وغيره اليوم من علماء أمثال سوسير وتشومسكي وجكبسون، بل قد يفوقون هؤلاء في ميادين مختلفة من البحث اللغوي العلمي، ولعل في طليعة من نفاخر بهم العالم ابن جني الذي من أجله صنعنا هذه الدراسة، فلقد كانت لهذا الرجل صولات وجولات في ميادين لغوية شتى، ما تزال تذكر له بعد ما يزيد على عشرة قرون.‏

*والذي يهمنا الآن أن نتحدث عما كتبه في الصوتيات خاصة، بقصد بيان موقعه من الدراسات اللغوية العربية السابقة عامة، ومن دراسات اللغويين الأجانب المحدثين خاصة، في سبيل إيضاح ما ذكرنا من فضل للعرب، ولهذا نرى أن نبدأ برصد أبرز ظواهر العناية بالصوتيات عند العرب، فإذا جلوناها استطعنا أن نعرف مدى تأثر ابن جني بمن سبقه، حين نقف عند مظاهر عنايته بالصوتيات وقفة فيها بعض الطول، نتبين فيها من طرف آخر موقع دراساته الصوتية من الدراسات اللغوية المعاصرة عن طريق الربط أو المقارنة، فإذا تم لنا ذلك كله انتهينا إلى خلاصة دراستنا ونتيجتها.‏

ب-الصوتيات العربية قبل ابن جني‏

1-البدايات:‏

*عناية العرب بالصوتيات قديمة تعود إلى اليوم الذي بدأ فيه اللحن، فأصاب العربية في أصواتها كما أصابها في نحوها وصرفها ودلالاتها، فالرواية التي تقول أن أعرابياً قرأ الآية القرآنية الكريمة (إن الله بريء من المشركين ورسوله( بكسر لام رسوله بدلاً من ضمها، يفهم منها أن لحن الأعرابي كان لحناً صوتياً مس حركة اللام، وهي صوت، فنشأ عن هذا خطأ في الدلالة، وهو لحن كان مع أمثال له حافزاً لأبي الأسود الدؤلي (-67هـ) على أن يضع نقط الإعراب.‏

*ثم إن قوله للكاتب، وهو يتلو عليه (إذا رأيتني قد فتحت فمي بحرف فانقط نقطة على أعلاه، وإذا ضممت فمي، فأنقط نقطة بين يدي الحرف، وإذا كسرت فمي فاجعل النقطة تحت الحرف، فإن اتبعت شيئاً من ذلك غنة (تنويناً) فاجعل النقطة نقطتين)(2) إنما يدل على أن أبا الأسود لاحظ أثر الشفتين في نوعية الصوت الذي يسميه المحدثون بالصائت (Vowel)، فحين سمى الحركات القصيرة فتحة وضمة وكسرة اعتمد على شكل الشفتين ووضعيهما عند النطق، وفي هذا إشارة إلى خاصة مهمة من خواص الحركات، ثم إن هذا الأساس في التنقيط عضوي فيزيولوجي يعتمده الدرس الصوتي الحديث(3). فصنيع أبي الأسود إذن، إن كان يهدف إلى المحافظة على لغة القرآن، فهو صنيع متصل بالصوتيات أوثق الصلة، كما أن نقط الإعجام الذي قام به من الدوافع إليه المحافظة على أصوات العربية سليمة.‏

*اعتماداً على ما سبق يمكننا أن نقول أن نشأة الصوتيات العربية قديمة كانت في أحضان لغة القرآن الكريم.‏

2-جهود واتجاهات في الدرس الصوتي:‏

*لعله من المفيد أن نعرض أبرز جهود العرب في الدراسات الصوتية، وقبل هذا نذكر أن العرب لم يعالجوا الأصوات وحدها، إنما كانت معالجتهم لها مع قضايا لغوية أخرى، وكان لها قيمة تاريخية وعلمية، وهذه المعالجة أخذت اتجاهات متعددة فهي عند أصحاب المعاجم والنحاة والبلاغيين والمعنيين بإعجاز القرآن، وعلماء التجويد والقراءات القرآنية.‏

*أما أصحاب المعاجم، فهم أقدم من تحدث عن الصوتيات من العرب، والناظر في معجم العين – وهو أول معجم في اللغة العربية، ينسب إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي (-175)- يرى أن معجمه هذا من أهم الدراسات الصوتية، وخاصة مقدمته التي تنم عن حس لغوي دقيق، فلقد أحسّ الخليل بكثير من جوانب المشكلة الصوتية، إذ تحدث عن مخارج الحروف وصفاتها من همس وجهر وشدة ورخاوة ونحوها، وعما يحدث للصوت في بنية الكلمة من تغيير يفضي إلى القلب أو الحذف أو الإعلال أو الإبدال أو الإدغام، وذكر عدداً من القوانين الصوتية، وعدداً من المسائل الصوتية واللهجية والقراءات.‏

*ولعل أهم ما يستوقف النظر في صنيع الخليل ترتيبه معجمه على أساس صوتي، وهو صاحب الفكرة الرائدة في ترتيب الحروف حسب مخارجها، وقد رتبها على النحو التالي:‏

ع ح هـ خ غ – ق ك – ج ش ض – ص س ز – ط د ت – ظ ذ ث – ر ل ن – ف ب م – و ا ي ء.‏

*لقد خالف الخليل في ترتيبه هذا ترتيب نصر بن عاصم الهجائي الذي يقوم على تشابه الحروف في صور الكتابة، ويهمل الجانب النطقي. إذ أنه عرف بحسه الدقيق أن اللغة منطوقة قبل أن تكون مكتوبة، وهذا أمر تتفق فيه اللغات جميعها، ولذا رتب الحروف على أساس نطقي نظر فيه إلى مخارج الأصوات في جهاز النطق، واعتمد على تذوقه للحروف، وذلك بأن يصدر كلاً منها بألف مهموزة يتبعها الحرف المقصود بالترتيب ساكناً، وقد بحث عن أعمق الأصوات في المخرج، فوجده الهمزة، والأمر كذلك في اللغات كلها، ولكنه لم يبدأ بها لأنها متقلبة لا تستقر على حال، ولا صورة ثابتة لها في النطق أو الكتابة، ثم قارن بين العين والحاء فوجد أن العين أنصع أي أوضح في النطق السمعي، فبدأ بها، ثم وضع بعد العين أختها وهي الحاء، ثم أتى بالهاء(4) وعلى هذا النحو مضى يرتب الحروف ترتيباً يثير تساؤلات في مواضع بعض الحروف إذا ما قارناه بالترتيب الحديث، كموضع الواو والألف والباء ثم العين والهاء، فليس لحروف العلة مخرج محدد، كما أن العين ليست هي الأسبق، وليست الهاء أخت العين في المخرج، ولكن الترتيبين، مع ذلك، يتفقان في الأساس الصوتي الذي يقومان عليه.‏

*وقد قسم الخليل الحروف إلى طوائف، وأعطى كلاً منها اسماً خاصاً، فالعين والحاء والخاء والغين حلقية لأن مبدأها من الحلق، والقاف والكاف لهوية لأن مبدأها من اللهاة، واعتمد في وصفه للأصوات على ما يحسه بنفسه من اختلاف في أوضاع أعضاء النطق معها، وعلى العملية العضوية التي يقوم بها المرء عند صدور كل صوت، وعلى وقع هذا الصوت في أذن السامع دون أن يكون لديه شيء من الإمكانات الحديثة من آلات تسجيل أو تصوير أو معرفة بنظريات التشريح(5)، وغير خاف، بعد هذا، أن درس الخليل الصوتي يدل على عبقرية صاحبه ويدعو إلى الإقرار بفضل السبق والريادة فيه، وإن كان للمحدثين مآخذ عليه، ومن المفيد أن نشير هنا إلى أن ترتيبه للحروف سار عليه طائفة ممن جاء بعده من أصحاب المعاجم كالأزهري في تهذيب اللغة، وابن سيدة في المحكم، والقالي في البارع.‏

*ونصل إلى النحاة لنرى أنهم عنوا بالصوتيات بوصفها مدخلاً لدراسة الصرف من إدغام وإعلال وإبدال، ونحو ذلك، فهذا سيبويه (-180 هـ) يتحدث في باب الإدغام عن عدد حروف العربية ومخارجها وصفاتها، ثم يقول في نهاية الباب(6) (وإنما وصفت لك حروف المعجم بهذه الصفات لتعرف ما يحسن فيه الإدغام، وما يجوز فيه، وما لا يحسن فيه ذلك، ولا يجوز فيه، وما تبدله استثقالاً كما تدغم، وما تخفيه، وهو بزنة المتحرك) (وقد فصل النحاة القول في وصف مخارج الحروف وصفاتها فرادى، ثم تناولوا بالدراسة ما رواه فيها داخلاً في حيّز الإدغام، كما فهموه، وذلك مثل إدغام المتماثلين مخرجاً والمتقاربين مخرجاً والمشتركين في طرف اللسان، ثم الإدغام بالصفة مثل إدغام المجهور والمهموس معاً بأن يصيرا معاً إلى الجهر أو إلى الهمس وبعض أمثلة القلب، وبعض الأمثلة الشاذة)(7).‏

*ولعل خير من يمثل النحاة في حديثهم عن الأصوات أصدق تمثيل، سيبويه صاحب الكتاب المشهور الذي يعده كثيرون المصدر الأول لعلم الأصوات العربي، وقد يضعه بعضهم بعد كتاب العين في المرتبة، وفيه لخص سيبويه آراء أستاذه الخليل بدقة وأمانة في آخر الكتاب، وقد ورث عنه، فيما ورث وصفاً دقيقاً لأصوات العربية في مخارجها وصفاتها.‏

*أما عن ترتيب سيبويه للحروف، فقد خالف فيه ترتيب أستاذه الخليل في بعض المواضع، فكان على النحو التالي:‏

ء ا هـ ع ح غ خ ك ق ض ج ش ي ل ر ن ط د ت ص ز س ظ ذ ث ف ب م و.‏

وجعل لهذه الحروف ستة عشر مخرجاً، للحلق منها ثلاثة، وفي كل منها صوتان دون القصد إلى ترتيبهما كما يفعل المحدثون، وخصص لأصوات الفم ثلاث مناطق في أقصاه وأدناه ووسطه، وحدد لكل صوت أو مجموعة من الأصوات مخرجاً معيناً، ووصفه وصفاً دقيقاً، وميز بين الشديد والرخو، وبيَّن المجهور والمهموس على خلاف في بعض الحروف مع ما تقره الدراسات المعاصرة، فهو، مثلاً يعد الضاد رخوة، وهي شديدة، ويعد القاف والطاء مجهورين، وهما مهموستان.‏

*وإذا كان سيبويه قد درس اللغة بادئاً بالجملة ثم الكلمة ثم الصوت، على عكس ما يفعل المحدثون، وإذا كان وصفه للأصوات في آخر كتابه دليلاً على أن النحاة لم يكونوا يقدرون العلاقة العضوية التي تربط بين الأصوات والنحو حق قدرها، كما يرى بعضهم(Cool، فإن هذا أو ذاك لا ينال من قيمة الكتاب، ومن كون دراسة سيبويه للأصوات دراسة متميزة، فقد حصر اللغة مع أستاذه الخليل، ووصفاها بدقة، وأسساها على قواعد جعلت طائفة من اللغويين ممن أتى بعدهما تترسم خطاهما، وتسير على آثارهما، كالمبرد في المقتضب والزمخشري في المفصل والزجاجي في الجمل، كما أن لما فعله هذان العالمان الكبيران قيمة كبيرة تبدو على نحو واضح حين يقارن بتفصيل ودقة مع ما نعرف اليوم من دراسات مماثلة.‏

ومن الذين تنبهوا على ظواهر صوتية الأديب والناقد المعروف الجاحظ (255 هـ)، إذ عرف بعض الأمراض اللغوية، ونجد في كتابه (البيان والتبيين) خاصة معالجة علمية دقيقة للأصوات التي تدخلها اللثغة(9)، وتحدث عن أوصاف هذا المرض ومراتبه الاجتماعية، واقترح بعض العلاجات الطبيعية على نحو ما يعالج في أمريكة اليوم(10) وقد أدرك الجاحظ صلة الأمراض اللغوية بالمجتمع، فدرس التلعثم على ثلاثة مستويات اجتماعية هي مستويات الفصحاء والعوام والأعاجم، وعرف اختلاف اللهجات، ودرس التبدلات الصوتية للغة العربية عند الأعاجم، وهذا ما تنبهت عليه الدراسات الحديثة، كما أشار إلى اقتران الحروف فرأى مثلاً أن (الجيم لا تقارن الظاء ولا القاف ولا الطاء ولا الغين بتقديم ولا بتأخير، والزاي لا تقارن الظاء ولا السين ولا الضاد ولا الذال بتقديم ولا بتأخير)(11).‏

*ونمضي خطوة أخرى، نتصفح كتب التراث العربي فنجد المؤلفين في إعجاز القرآن قد اعتنوا بمخارج الحروف، وعرفوا صلة هذه المخارج بتلاؤم الحروف وتنافرها، ولعل من أشهر هؤلاء أبا الحسن الرماني (- 386 هـ) الذي رأى أن التلاؤم نقيض التنافر، وضرب أمثلة له، وأشار إلى أن الفائدة منه (حسن الكلام في السمع وسهولته في اللفظ. وتقبل المعنى له في النفس لما يرد عليها من حسن الصوت وطريق الدلالة)(12)، كما ذكر أن (مخارج الحروف مختلفة، فمنها ما هو من أقصى الحلق، ومنها ما هو من أدنى الفم، ومنها ما هو في الوسائط بين ذلك(13)، ثم تحدث عن فواصل القرآن، ورأى أنها على وجهين أحدهما على الحروف المتجانسة والآخر على الحروف المتقاربة، وضرب أمثلة لذلك.‏

*إلا أن الذين عنوا بالصوتيات عناية قد تفوق عناية غيرهم هم العارفون بتجويد القرآن الكريم وعلماء قراءاته، فأما الأولون، فلا يخلو كتاب لهم من كلام عن مخارج الحروف وطريقة نطقها(14)، وقد اعتنوا بالإدغام عناية خاصة، وأفاضوا فيه، يدفعهم إلى ذلك كله حرصهم على إتقان ترتيل كتاب الله وتجويد نطقه، وعنايتهم بالأصوات أدت إلى ظهور مراتب التجويد من ترتيل وتدوير وحدر، وظهور مصطلحات صوتية مهمة في وقت مبكر كالإشمام والروم والاختلاس والإمالة والتخفيف والتفخيم(15).‏

*وأما علماء القراءات، فقد أعانهم على العناية بالجانب الصوتي أن قراءات القرآن الكريم كانت متواترة بالتلقي الشفوي، ويطول بنا القول إذا تحدثنا عن الصوتيات عند من ألف في القراءات، لذا سنكتفي بمثل واحد يشير إلى عنايتهم بها ننقله عن ابن خالويه (- 370)(16) قوله تعالى: (فيه هدى( يقرأ بالإدغام والإظهار، فالحجة لمن أدغم مماثلة الحرفين لأن الإدغام على وجهين مماثلة الحرفين ومقاربتهما، فالمماثلة كونهما من جنس واحد، والمقاربة أن يتقاربا في المخرج كقرب القاف من الكاف، والميم من الباء واللام من النون، وإنما وجب الإدغام في ذلك لأن النطق بالمتماثلين والمتقاربين ثقيل، فخففوه بالإدغام، إذ لم يمكن حذف أحد الحرفين..).‏

3-أسباب العناية بالصوتيات:‏

*لعله قد ظهر لنا من خلال العرض السابق أن أئمتنا الأوائل اعتنوا بالظواهر الصوتية عناية واضحة، أما لماذا كانت هذه العناية؟ فلقد سبق أن أشرنا إلى أن الصوتيات العربية نشأت في أحضان لغة القرآن، ونؤكد الآن أن عنايتهم بها كانت، بالدرجة الأولى، سعياً وراء هدف سام نبيل هو المحافظة على كتاب الله وصيانته من اللحن والتحريف، أضف إلى ذلك أنهم أدركوا منزلة الدراسة الصوتية في العلوم اللغوية وارتباطها الوثيق بما عالجوا من قضايا نحوية وصرفية ودلالية وبلاغية. وهذا يذكرنا بما نعرفه في اللسانيات الحديثة من صلة درس الجانب الصوتي في اللغة بدرس الجوانب الأخرى التي أشرنا إليها في مطلع هذه الدراسة.‏

*ثم إن علوم العرب اللغوية نشأت أول ما نشأت على السماع، فبه حملوا الشعر عن الرواة وحملوا القرآن الكريم والحديث النبوي، وعليه اعتمدوا في نقد عيوب الشعر، وفي تقعيد القواعد، وعليه أيضاً انبنى علم التجويد والقراءات، وعلى هدي منه اتخذت بعض معايير الفصاحة وبه قبست لغات القبائل المذمومة ولهجاتها(17).‏

*فهذه الأمور الثلاثة كانت من جملة الأسباب التي تضافرت على جعل علمائنا الأقدمين يهتمون بالدرس الصوتي على النحو الذي رأيناه، وسنراه عند ابن جني.‏

4-الأصالة والسبق:‏

*رأينا فيما تقدم، أن للعرب قدماً ثابتة وباعاً طويلة في الدراسات الصوتية، ونذكر الآن أن لهم فضل السبق في الوصول إلى نتائج وحقائق علمية صوتية في غاية الدقة، ذلك أن من العلماء والمستشرقين الأجانب، بل من الباحثين العرب المحدثين من يقول أن الصوتيات العربية متأثرة ببحوث الأمم السابقة على العرب كالهنود واليونان، وعنهم نقلوها(18)، ولعل ما ساعد على هذا القول أمران اثنان هما إهمال المسلمين للدراسات الصوتية في عصر الدول المتتابعة، وكون المستشرقين أول من تحدثوا عنها في عصر النهضة(19).‏

*وممن تولى الرد على الآخذين بهذا الرأي الدكتور كمال بشر، وهو أحد العلماء المختصين، فقال(20): (في رأينا أن دراسة العرب لأصوات لغتهم إنما هي دراسة أصيلة، ليست منقولة في منهجها أو طريق التفكير فيها عن غيرهم من الأمم، والقول بأنها ترجع إلى أعمال الهنود أو اليونان في دراساتهم الصوتية قول تعوزه الأدلة العلمية التي تستطيع أن تؤكد هذا الزعم أو تنفيه، على أن النظر الدقيق في جملة ما طلع علينا به علماء العربية في مجال الأصوات اللغوية يحملنا على الجزم بأن هؤلاء العلماء كانوا يصدرون عن عقليتهم الخاصة وثقافتهم العربية).‏

*ثم أتى بدليل على صدق قوله يتصل بمنهجهم في الدراسة الصوتية، فرأى أن هذه الدراسة تقوم على أساس نطقي، كما عند الغربيين، يعنى بالخواص النطقية للأصوات ووظائف جهاز النطق وحركات أعضائه عند إخراج الأصوات، وهذا مخالف لما سلكه اليونان، إذ اعتمد هؤلاء أولاً على الخواص السمعية للأصوات، وإذا كان منهج العرب يشابه منهج الهنود عامة، فإن فيه اختلافات كثيرة في التفصيلات، وهو منهج وصفي يعنى بدراسة الظاهرة اللغوية في معزل عن تطوراتها التاريخية، ويخلو من الافتراضات العقلية والمتاهات الفلسفية، ويقوم على أساس من أهم أسس البحث الصوتي اليوم وهو الملاحظة الذاتية.‏

*ورأى الدكتور بشر أيضاً أن فيما قام به العرب سبقاً تاريخياً وعلمياً، وإذا كان الهنود قد سبقوهم تاريخياً في الدرس الصوتي، فإن هذا لا ينفي أن يكون العرب رواداً فيه، فأبجديتهم، - كما يقول(21)- فيها مبادئ صوتية رائعة، ويتحقق فيها أحدث الآراء في الدرس الصوتي إذ أن فيها رمزاً واحداً لكل واحدة صوتية، ثم إن لهم سبقاً في إدراك معنى الجهاز النطقي ومعرفة وظيفته وطبيعته. وهذا سيتضح عند ابن جني خاصة، ولهم سبق أيضاً في ترتيب الأصوات حسب المخارج بدقة والعناية بتصنيفها وتقسيمها إلى مجموعات متداخلة.‏

*فحقيقة الأمر، إذن، أن دراسات العرب الصوتية تتسم بالأصالة، وفضل السبق، وقد عرف شيئاً من هذا غير واحد من العلماء المنصفين والباحثين المدققين الأجانب كالمستشرق برجشتراس، وفيرث الذي يقرر أن الدراسات الصوتية نشأت في أحضان لغتين مقدستين هما العربية والسنسكريتية، وقد اعترف جورج مونين صراحة بجودة الدرس الصوتي عند العرب فقال(22): (منذ القرن الثامن الميلادي كان علماء اللغة في البصرة يسعون إلى وصف لغتهم وصفاً صوتياً، وسواء أوجدوا تلقائياً علماً للأصوات جديراً بأن يذكرنا بالعلامة بانيني، أم أنهم اقتبسوا هذا العلم عنه، فتلك مشكلة على حدة، ولكن لا بد لنا –بادئ ذي بدء- أن نعترف بوجود هذا العلم في الأصوات وأنه علم فذ ممتاز)، ثم أن عالماً ألمانياً محدثاً هو (شاده) جعل موضوع رسالته لنيل شهادة الدكتوراه (علم الأصوات عند سيبويه) وفي هذا دليل على قيمة كتاب سيبويه –وقد رجح فيه أن العرب لم يقتبسوا علم الأصوات من أحد، وأنه من وضعهم واستنباطهم خدمة للقرآن الكريم وأدائه(23).‏

* على أنّ قضيتي الأصالة والسبق في درس العرب الصوتي، قد تبدوان على نحو أوضح إذا دققنا عند دراسات ابن جني خاصة وقفة تأمل وتدبر.‏

جـ-الصوتيات عند ابن جني‏

1-اللغة أصوات:‏

عرّف ابن جني اللغة بقوله(24) (إنها أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم)، وهو تعريف هام يستوقف الباحث اللغوي الحديث، ذلك أنه تعريف دقيق يذكر أبرز الجوانب المميزة للغة، فهو يؤكد أولاً الطبيعة الصوتية لها، ويذكر وظيفتها الاجتماعية في التعبير ونقل الفكر، كما يشير إلى اختلاف البنية اللغوية باختلاف المجتمعات الإنسانية، وهذه الجوانب الثلاثة تتناولها التعريفات الحديثة للغة(25)، والذي يهمنا في هذا المقام أولها، فقد نظر ابن جني إلى اللغة على أنها أصوات أو لا تحمل دلالات يقوم بها التفاهم بين البشر حين يتخاطبون، وعرف أن الأساس في الظاهرة اللغوية النطق، وهو أساس تقوم عليه أكثر الدراسات المعاصرة. إذ تعنى بالكلام المنطوق أولاً، وتدرسه من جوانب أربعة سبق ذكرها أولها وأهمها الجانب الصوتي، أما الكتابة فترى أنها تأتي في الدرجة الثانية، وما هي إلا محاولة لتصوير المنطوق قد تنجح وقد تخفق.‏

*ويتصل بما نحن فيه نص نقع عليه عند ابن جني يستوقف النظر، وهو قوله(26) (ذهب بعضهم إلى أن أصل اللغات كلها إنما هو من الأصوات المسموعات كدوي الريح وحنين الرعد وخرير الماء وشحيج الحمار ونعيق الغراب وصهيل الفرس ونزيب الظبي ونحو ذلك، ثم ولدت اللغات عن ذلك فيما بعد، وهذا عندي وجه صالح ومذهب متقبل)، وهذا النص يتعلق بإحدى النظريات المعروفة في نشأة اللغة، هي نظرية المحاكاة Onomatopoeia التي تقول إن اللغة محاكاة لأصوات الطبيعة،ولم يعز ابن جني هذا القول إليه، إلا أن أحداً لم يسبقه إلى ذكره، أضف إلى هذا أنه ركز القواعد التأسيسية لهذه النظرية في تراثنا العربي، فقلبها على أوجهها الممكنة، وجعل للمحاكاة مراتب أربعاً هي المحاكاة الصوتية أي تسمية الأشياء بأصواتها ومحاكاة هيكل اللفظ لجملة الدلالة ثم المحاكاة التعاملية أي تعامل دلالة الأصوات الفيزيائية ودلالة الهيكل الوزني، وأخيراً التركيب السياقي(27). ومن الواضح عناية ابن جني بهذه النظرية، بل إن الجملة الأخيرة في القول الذي سقناه هنا صريحة في بيان رضاه عنها، ولا تحتاج إلى تأويل.‏

*بقي أن نقول إن الكثير من الباحثين اللسانيين اليوم يرون أن الحديث عن نشأة اللغة أمر غير ذي فائدة، ذلك أنه بحث في الغيبيات، ولا يوصل إلى حقائق يقينية يمكن الركون إليها والتسليم بها، وهو أقرب إلى الفلسفة اللغوية منه إلى البحث اللغوي العلمي(28)، ولكن إذا ما تحدث باحثون عن هذه النشأة رأيت منهم من يميل إلى الانتصار لما قاله ابن جني قبل عشرة قرون، فالقول بالمحاكاة اليوم أحد مذهبين مفترضين عند من يقول إنّ أصل اللغة اصطلاح ومواضعة لا توقيف وإلهام، وقد أخذ به معظم العلماء المحدثين مع تعديل طفيف، وعلى رأسهم العالم الإنكليزي وتني في القرن التاسع عشر(29)، فلابن جني إذن فضل السبق العلمي، وإن كان القول بالمحاكاة في اللغة لا يخلو من مبالغة، وإذا صح في ألفاظ قليلة، فإنه لا يصح إطلاقه وتعميمه على ألفاظ اللغة كافة.‏

2-علم الأصوات:‏

*كانت الأصوات الشغل الشاغل لابن جني، ولها في تفكيره اللغوي جذور عميقة، وعلى هدي منها عالج كثيراً من القضايا اللغوية، وخاصة ما اتصل منها بالصرف الذي كان فيه العلم الأول بلا منازع، ونرى هذا بوضوح في كتابيه سر الصناعة، والخصائص(30)، بل إن الصوتيات تطل بين الحين والحين من ثنايا ما شرحه من أشعار.‏

*وابن جني أول من جعل الأصوات علماً، وأطلق عليها هذا اللفظ الواضح الصريح قبل الغربيين بقرون، ودل به على دراسة الأصوات والبحث في مشكلاتها المختلفة على نحو مشابه للدرس الصوتي الحديث، أسمعه يقول(31) (هذا القبيل من هذا العلم. –أعني علم الأصوات والحروف- له تعلق ومشاركة للموسيقا لما فيه من صنعة الأصوات والنغم)، فقد أدرك إذن أن علم الأصوات علم قائم بذاته، وإن كانت كلمة علم لا تعني يومذاك ما نعنيه اليوم من أسس وقواعد منهجية دقيقة. وكلام ابن جني واضح الدلالة على أن الأصوات أخذ ينظر إليها في القرن الرابع الهجري على أنها يمكن أن تدرس درساً مستقلاً، كما كانت تدرس علوم اللغة، بالاصطلاح القديم، من نحو وصرف وبلاغة وغيرها، ويرى الدكتور كمال بشر أن مصطلح علم الأصوات عند ابن جني على الصورة التي رسمها لهذا العلم جاء سابقاً للمصطلح الأوروبي المقابل له وهو الفونيتيك Phonetics(32).‏

*وقد وردت تسمية علم الأصوات في كتاب من أهم كتب ابن جني هو (سر صناعة الإعراب)(33) وهو أول كتاب مستقل يؤلف في هذا العلم، إذ لم يعرف العرب قبله كتاباً موقوفاً على الأصوات وحدها، وهناك من يرى أنه أول كتاب في العالم مختص بالأصوات، ولا يقارن بكتاب بانيني العالم الهندي (القرن الخامس أو الرابع قبل الميلاد)، لأن ذلك الكتاب – ويسمى المثمن – لم يكن خاصاً بالأصوات، بل هو في النحو السنسكريتي عامة(34).‏

*جمع ابن جني في كتابه الدراسات الصوتية السابقة التي نشأت ضئيلة عند الخليل وسيبويه ثم تتابع عليها المعنيون بها من بعدهما، حتى وصلت على يده إلى القدر الذي يحويه هذا الكتاب، فقد كان القرن الرابع عصر تطور ونهضة في العلوم الإسلامية عامة، وجاء كتاب سر الصناعة موضحاً لمعالم الدراسات الصوتية التي عني بها أهل اللغة في هذا القرن في جملة ما عنوا به من علوم، ووسع مجال القول فيها، وقوى تأثيرها في فروع الثقافة الأخرى(35).‏

*أما موضوعات الكتاب فيمكن إجمالها فيما يلي:‏

1-وصف جهاز المنطق.‏

2-عدد حروف المعجم وترتيبها وذوقها.‏

3-وصف مخارج الحروف وصفاً تشريحياً دقيقاً.‏

4-الأجراس الطبيعية للحروف، وبيان صفاتها الطبيعية وتقسيمها إلى أقسام مختلفة.‏

5-ما يعرض للصوت عند بناء الكلمة ومقاربته لآخر من تغيير يؤدي إلى الإعلال أو الإبدال أو الإدغام أو النقل أو الحذف.‏

6-بيان الشاذ والمقيس من أنواع التغيير في الحروف، والاستشهاد عليه.‏

7-نظرية الفصاحة في اللفظ المفرد ورجوعها إلى تأليفه من أصوات متباعدة المخارج.‏

*وقد ذكر ابن جني أن غرضه من الكتاب هو الحديث عن الحروف، أي الأصوات، منفردة، لا على أساس أنها مؤلفة لأن الحديث عند ذاك يطول كثيراً، ويقود إلى استيعاب جميع اللغة، ودراسة الأصوات على هذا النهج يسميها علماً، لكن هذا لا يعني أنه لم يدرس الأصوات في حالة اجتماعها، بل قد فعل ذلك في ثنايا كتبه وخاصة كتابه الأشهر الخصائص، وهذا ما سيتضح في مراحل البحث التالية.‏

3-جهاز النطق:‏

يصدر الأصوات اللغوية جهاز في الإنسان يسمى تجوُّزاً بجهاز النطق Organs of Speech ذلك أن النطق وظيفة ثانوية له، ساعدت على خلقها الضرورة الاجتماعية والذكاء الإنساني، وهذا الجهاز مكوّن من جملة من الأعضاء أكثرها ثابت وهي الأسنان واللثة والغار والجدار الخلفي للحلق، وبعضها قابل للحركة وهي الشفتان، والأسنان والفك الأسفل والطبق، وفيه اللهاة والحنجرة والأوتار الصوتية(36).‏

*ولو تتبعنا رحلة الصوت منذ خروجه من الرئتين، لرأيناه – باختصار – يسير في مجرى القصبة الهوائية. وفي أعلاها وأسفل الفراغ الحلقي تستقبله الحنجرة، فيمر بالوترين الصوتيين، ثم يخرج إلى فراغ الحلق، فيلتقي باللسان والحنك، ثم يمر بعدهما بالشفتين خارجاً من الفم.‏

*والنطق (عملية مركبة بمعنى أن الصوت لا يتكون إلا بعدة عمليات متكاملة. فلا تكفي استدارة الشفتين لنطق الصوت ومجرد وضع اللسان في أي موضع من الفم لا يكفي لنطق أي صوت، ولذا فهناك مقومات أساسية لنطق الأصوات اللغوية)(37). ويتحكم في الصوت عدة أعضاء في جهاز النطق كالوترين الصوتيين واللسان ومناطق التقائه بالحنك في مقدمه أو وسطه أو أقصاه، وكالتقائه بالأسنان، كما أن لوضع الشفتين دوراً هاماً في نوع الأصوات وصفاتها، وللتجويف الأنفي دوره أيضاً في نطق بعض الأصوات وغير خاف، بعد هذا، أن النطق يختلف من إنسان لآخر، كما يختلف من قوم لآخرين تبعاً لظروف عقلية ونفسية واجتماعية، ليس هنا مجال بحثها.‏

*هذا ما قرره المحدثون، ونصل إلى ابن جني لنرى ماذا قال في جهاز النطق، فيستوقفنا نص هام، يحسن أن نقرأه لنرى ما فيه(38) (وقد شبه بعضهم الحلق والفم بالناي، فإن الصوت يخرج فيه مستطيلاً أملس ساذجاً، كما يجري الصوت في الألف غفلاً بغير صنعة، فإذا وضع الزامر أنامله على خروق الناي المنسوقة وراوح بين أنامله، اختلفت الأصوات، وسمع لكل خرق منها صوت لا يشبه صاحبه، فكذلك إذا قطع الصوت في الحلق والفم باعتماد على جهات مختلفة كان سبب استماعنا هذه الأصوات المختلفة).‏

*ثم يبين ابن جني في وضوح سر اختلاف الأصوات الخارجة من جهاز النطق، وكيف يتم هذا الاختلاف فيقول (ونظير ذلك أيضاً وتر العود، فإن الضارب إذا ضربه، وهو مرسل سمعت له صوتاً فإن حصر آخر الوتر ببعض أصابع يسراه أدى صوتاً آخر، فإن أدناها قليلاً سمعت غير الاثنين، ثم كذلك كلما أدنى إصبعه من أول الوتر تشكلت لك أصداء مختلفة، إلا أن الصوت الذي يؤديه الوتر غفلاً غير محصور تجده – بالإضافة إلى ما أداه وهو مضغوط محصور – أملس مهتزاً، ويختلف ذلك بقدرة قوة الوتر وصلابته وضغطه ورخاوته، فالوتر في هذا التمثيل كالحلق، والخفقة بالضرب عليه كأول الصوت من أقصى الحلق، وجريان الصوت فيه غفلاً غير محصور كجريان الصوت في الألف الساكنة، وما يعترضه من الضغط والحصر بالأصابع كالذي يعرض للصوت في مخارج الحروف من المقاطع، واختلاف الأصوات هناك كاختلافها هنا). وهو بهذا يصف ميكانيكية النطق.‏

*ونشير أولاً إلى أن ذكر كلمة بعضهم في قول ابن جني يوحي بأن تشبيه الحلق والفم بالناي، ليس من صنعه، وأغلب الظن أنه للخليل، فقد عرف عنه اشتغاله بالموسيقا وإتقانها. وكثيراً ما أورد ابن جني آراءه في كتبه(39) ولكنه تشبيه بارع كبراعة تشبيه الحلق بوتر العود، وفي القول ذكر أن الحلق يكون صلباً ورخواً، ولصلابته أو رخاوته أثر فيما ينطق من أصوات، ومن المعروف اليوم أن في الفم حنكاً صلباً ثابتاً لا يتحرك، وحنكاً ليناً قابلاً للحركة، قد يرفع أو يخفض فيغير في الأصوات(40)، فلعل الحلق عنده يعني الحنك عند المحدثين، والمهم في الأمر أن ابن جني عرف أن الأصوات تختلف فيما بينها تبعاً لأوضاع أعضاء جهاز النطق، وأن من الأصوات ما تعترضه العوائق التي مثلها بأنامل الزامر على الناس أو أصابع ضارب العود على الوتر، وهي عند المحدثين عوائق الوترين الصوتيين واللسان وغير ذلك.‏

*وينبغي أن نتنبه إلى ما يقصده ابن جني بكلمة المقطع في قوله الذي نتحدث عنه، فليس المقصود منها ما نعنيه نحن اليوم من اجتماع صوتين أو أكثر، بل تعني – كما يفهم من كلام له –المكان الذي يعترض فيه الصوت عائق يمنعه عن جريه واستطالته، وفي هذا يقول(41) (اعلم أن الصوت عرض يخرج مع النفس مستطيلاً متصلاً حتى يعرض له في الحلق والفم والشفتين مقاطع تثنيه عن امتداده واستطالته) فالمقطع عنده إذن، هو مخرج الحرف كما في اصطلاح المحدثين، ويلاحظ هنا أيضاً إشارة ابن جني الواضحة إلى أن اعتراض الصوت في جريانه قد يكون في واحد من أعضاء النطق التي ذكرها.‏

*وابن جني لم يصف جهاز النطق على نحو ما يفعل المحدثون، بل اكتفى بالتشبيه الذي رأيت، وبذكر مختلف أعضاء هذا الجهاز في خلال حديثه عن مخارج الحروف، وهي الصدر والحلق والفم والخياشيم، فالصدر يساعد على إطلاق النفس المؤدي إلى إحداث الصوت، وليس مساوياً للأعضاء الأخرى، لأنه لا يضم مدارج الأصوات، وهو لا يذكره إلا نادراً، أما الحلق فيتدخل تدخلاً مباشراً في عملية النطق، كما أشرنا منذ قليل، وقد قسمه إلى أقصى الحلق وأوسطه وأدناه ولكل جزء مخارجه، وفرق بين أول الفم ووسطه ومقدمه، وفي الفم جملة أعضاء تنهض بالنطق فهناك اللسان الذي ميّز فيه أقصاه ووسطه وطرفه بالإضافة إلى حافتيه، وكان العرب قد خصوا كل قسم منه باسم خاص، وهناك الأسنان، ولها دورها الهام في النطق، وقد فرق ابن جني فيها بين الثنايا والرباعيات والأنياب والضواحك، وذكر الشفتين وهما تسهمان أيضاً في النطق وخاصة الشفة السفلى، وذكر الخياشيم التي تساعد على مخرج النون الخفيفة الساكنة(42). ولكنه أغفل الحديث عن الوترين الصوتيين، كما فعل غيره من القدماء، والمحدثون يرون لهما دوراً كبيراً في همس الأصوات أو جهرها، وفي نطق همزة القطع خاصة.‏

4-الصوت والحرف:‏

لكلمة الحرف عند العرب القدماء معان كثيرة(43)، وخاصة في مجال القراءات القرآنية، يعنينا منها هنا معنيان اثنان: الصوت المنطوق والرمز المكتوب، فبهذين المعنيين خاصة كان الحرف معروفاً عند العرب، وعند كثير من علماء أوربة لعهد قريب أيضاً(44)، وإذا ما تكلم اللغوي العربي عن الحرف، فإنه لم يكن يعني إلا الصوت اللغوي، وإذا عنى رمزه المكتوب نبه على ذلك فقال مثلاً (أما صورة الحرف في الخط) أو (هذا موجود لفظاً وخطاً) أو نحوه(45) ففكرة الحرف هذه كانت مسيطرة على الدراسات اللغوية العربية، إلا أنها في العصور الإسلامية المتأخرة أصبحت تعني غالباً الرمز الكتابي.‏

*ولكن الذي يعنينا من هذا مفهوم الحرف عند ابن جني، وهل فرق بينه وبين الصوت؟ وإذا كان فعل فماذا قال فيهما؟. نظر ابن جني إلى الحرف، كما نظر قبله الخليل وسيبويه، على أساس أنه عنصر ثلاثي الأجزاء، أي أن له جانب التسمية التي يعرف بها كالألف والهمزة والباء ونحو ذلك، وجانباً مسموعاً هو صوت الحرف، وجانباً مقروءاً هو رمزه الكتابي، لكنه بالإضافة إلى هذا، ميز بين الصوت والحرف، فقال في تعريف الأول(46) (الصوت عرض يخرج مع النفس مستطيلاً حتى يعرض له في الحلق والفم والشفتين مقاطع تثنيه عن امتداده واستطالته)، والصوت على هذا التعريف عام يشترك فيه الإنسان الناطق والحيوان الأعجم، لأن الاثنين يملكان هذه الأعضاء التي ذكرها، أما الحرف عند ابن جني فهو(47) (حد منقطع الصوت وغايته مطرفه)، وهو من مادة حرف التي يراد بها حد الشيء وحدته، وقد سمى المقطع حرفاً أيضاً، وهو ما يعرض للصوت فيثنيه عن امتداده كما مر (فيسمى المقطع أينما عرض له حرفاً)، والمعروف أن المقطع هو مخرج الحرف لا الحرف، فتسمية ابن جني لا تستقيم إلا على ضرب من المجاز(48).‏

*ونلاحظ أن ابن جني يقرن أحياناً الحرف بالصوت، ففي أول كتابه سر الصناعة ذكر علم الأصوات، والحروف، وعنون أحد أبوابه بذوق أصوات الحروف، كما ذكر أن بعض الحروف أشد حصراً للصوت، وقال مثلاً(49) (قد نجد من الحروف ما يتبعه في الوقف صوت، وهو مع ذلك ساكن، وهو الفاء والثاء والسين والصاد ونحو ذلك، وتقول في الوقف اف، اث، اس، آص) والأغلب أن يكون الصوت هنا بمعنى الهواء، كما يرى الدكتور كمال بشر(50). والمهم في الأمر أن الأمثلة السابقة يفهم منها أن الحرف غير الصوت.‏

*ولكن ابن جني قد يستخدم كلمة الصوت والحرف في معنى واحد، إذ ناوب بينهما في حديثه عن الإدغام، فذكر تقريب الصوت من الصوت، ثم عاد فذكر تقريب الحرف من الحرف، وقد يستخدم كلمة الصوت في معنى الحركة، كما فعل عند حديثه عن الإمالة، وعن كسر الشين والباء في نحو شِعير وبِعير، ويقترب هنا من استخدام المحدثين لهذه الكلمة. بل إنه استخدم كلمة الصويت، في خلال حديثه عن الصوت حين يدخل في تشكيل البنية، فإذا وقفنا على بعض الحروف بساكن تبع الحرف صويت كما في اح وآص، وهو صويت يضعف ويتضاءل للحس، على حد تعبيره إذا ما قلت يحرد ويصبر ونحوها(51)، والصويت هنا يغلب أن يكون مساوياً لما يسميه المحدثون الاحتكاك، على رأي الدكتور بشر.‏

*وهكذا نرى أن ابن جني عرف مصطلحي الصوت والحرف معاً، وإن كان عنده بعض اضطراب وتداخل في استعمالهما، ولكن الغالب على درسه الصوتي، كما يتضح لمتابعه، استعماله كلمة الحرف يعني بها الصوت، كما فعل سابقوه، ونرى هذا خاصة في مقدمة كتابه سر الصناعة إذ قال متحدثاً عن مضمونه(52) (أذكر أحوال هذه الحروف [حروف المعجم] في مخارجها ومدارجها، وانقسام أصنافها، وأحكام مجهورها ومهموسها، وشديدها ورخوها، وصحيحها ومعتلها، ومطبقها ومنفتحها، وساكنها ومتحركها، ومضغوطها ومهتوتها(53)، ومنحرفها ومشربها ومستويها ومكررها، ومستعليها ومنخفضها إلى غير ذلك من أجناسها)، فكلامه هذا واضح الدلالة على أنه يقصد من كلمة الحروف الأصوات، آية هذا أنه ذكر صفات، هي للصوت المنطوق لا للرمز المكتوب، ويجدر بنا أن نشير هنا إلى أن أكثر هذه الصفات ما يزال معروفاً في الدرس الصوتي الحديث، أما أصحاب هذا الدرس فيميزون بين الصوت والحرف على نحو واضح، قد يختلف بعض الشيء عن تمييز الأقدمين بينهما، وبين الاثنين عندهما، فروق تتصل بمفهوم الفونيم الذي سنشير إليه في مقبل الحديث(54).‏

5-الأصوات مفردة وتصنيفاتها:‏

*عدة الحروف عند ابن جني تسعة وعشرون، كما هي عند أكثر اللغويين العرب.‏

قال في سر الصناعة(55) (اعلم أن أصول حروف المعجم عند الكافة تسعة وعشرون حرفاً، فأولها الألف وآخرها الياء على المشهور من ترتيب حروف المعجم، إلا أبا العباس، فإنه كان يعدها ثمانية وعشرين حرفاً، ويجعل أولها الباء، ويدع الألف من أولها، ويقول هي همزة، ولا تثبت على صورة واحدة، وليست لها صورة مستترة، فلا أعتدها مع الحروف التي أشكالها محفوظة معروفة، وهذا الذي ذهب إليه أبو العباس غير مرضي عندنا)، وقد رأى ابن جني أن انقلاب الهمزة في بعض أحوالها لعارض يعرض لها لا يخرجها عن كونها حرفاً، وهي عنده ألف، وأتى على هذا بأكثر من دليل، ووضعها قبل الباء في ترتيب الحروف، ذلك أنها إذا وقعت أولاً كتبت ألفاً، ولا بد من تحقيقها، فنقول أَخَذَ وإبراهيم، ثم إن كل حرف سميته تجد في أول تسميته لفظه بعينه، فنقول جيم وأول هذه الكلمة لفظ الجيم نفسها، وكذلك إذا قلت ألف، فأول الحروف التي نطقت بها همزة(56) ولقد تحدثنا عن موضع الهمزة لصلتها بما نحن فيه من حديث عن الناحية الصوتية، وسنرى أن لهذا الموضع أهميته في ترتيب الحروف عنده.‏

*وقد صنف ابن جني الحروف تصنيفات عدة سنتحدث عنها فيما يلي واحداً بعد آخر، وقبل ذلك نحب أن نشير إلى أمر يذكره المحدثون اليوم هو (يعتمد تصنيف الأصوات اللغوية من الناحية الفيزيولوجية أو النطقية على المعرفة الدقيقة بأعضاء النطق، وعلى الفهم العلمي لعملية الكلام، ولذا يفيد البحث الصوتي من علم التشريح في التعريف بأعضاء النطق، ومن علم الفيزيولوجيا في معرفة وظائف هذه الأعضاء، وكيفية قيامها بهذه الوظائف)(57)، ولننظر الآن في تصنيفات ابن جني للأصوات، فسنرى أنه اعتمد فيها على هذين الأمرين.‏

1-الصوامت والصوائت:‏

يميز المحدثون اليوم بين نوعين من الأصوات تبعاً لوضع الوترين الصوتيين في الحنجرة، وطريقة مرور الهواء من الحلق والفم أو الأنف، وهي عندهم صامتة وصائتة، فالصامت (Consonant) هو الصوت الذي (يضيق عند صدوره مجرى الهواء فيسمع له صفير أو حفيف أو ينحبس لحظة فيسمع له انفجار مثل ص، ف، ومثل، ب، ك). أما الصائت (Vowel) فهو الصوت الذي (ينتج عن اهتزاز الحبلين الصوتيين دون قفل أو تضييق أو انسداد نسبي في منطقة جهاز النطق أعلى المزمار)(58). والأصوات الصامتة في اللغة العربية هي ما سماه العرب بالحروف، وعددها ثمانية وعشرون وهي همزة القطع والباء والتاء والثاء والجيم والحاء والخاء والدال والذال والراء والزاي والسين والشين والصاد والضاد والطاء والظاء والعين والغين والفاء والقاف والكاف واللام والميم والنون والهاء والواو في نحو (ولد – يوم) والياء في نحو (يلد، بيت)، أما الأصوات الصائتة فهي الحركات الثلاث المعروفة، فإذا طالت كانت منها حروف المد الألف في نحو قال، والياء في نحو الراعي، والواو في نحو يدنو.‏

*وقد أطلق العرب على الصامت اسم الساكن والصحيح، وعلى الصائت أسماء حروف المد أو حرف العلة أو حرف اللين، ولكن منهم من جرى على استعمال المصطلحين صائت ومصوت في الدلالة على الحركات، فابن جني مثلاً سمى حروف المد – وهي حركات طويلة – بالحروف المصوتة، إلى جانب تسميتها بحروف المد واللين فقال(59) (الحروف الممطولة هي الحروف الثلاثة اللينة المصوتة، وهي الألف والياء والواو. اعلم أن هذه الحروف أين وقعت، وكيف وجدت، بعد أن تكون سواكن يتبعهن بعضهن غير مدغمات، ففيها امتداد ولين ونحو قام وسيربه وحوت وكوز وكتاب وسعيد وعجوز).‏

*وما يعنينا هنا أكثر من التسمية والمصطلحات هو أن العرب اعتنوا بالصوامت والصوائت في آن معاً، وعرضوا لمميزاتها الصوتية على نحو يتقن – بوجه عام – مع ما حدده علماء الأصوات المحدثون، ومنهم من فرّق بين الصوائت الطويلة والقصيرة، ولكنهم أولوا الأصوات الصامتة عناية خاصة، ووجهوا إليها معظم جهودهم وبحوثهم الصوتية، فنظروا فيها من حيث مخارجها وصفاتها المختلفة، وإن لم يقدموا لنا تعريفاً علمياً لها، ويعود اهتمامهم الملحوظ بالصوامت إلى نظرية الأصول عند علماء العربية، فأصول الكلمات أصوات صامتة، وإلى وجود رموز مستقلة للحروف سابقة لرموز الحركات(60).‏

*ولعل في طليعة ما يهمنا من الحديث عن الأصوات الصامتة والصائتة طريقة الأقدمين في التمييز بينهما، فالخليل مثلاً وزع الحروف على مخارجها، ونسب كل مجموعة منها إلى مخرج كالحلق واللهاة واللسان والشفتين، ثم رتب الحروف في مدرج المخارج على نحو يشعر بإدراكه للفرق بين النوعين، فقد أتى بخمسة وعشرين حرفاً على نسق متصل في سلسلة واحدة، وسماها الحروف الصحاح، ثم أتبعها بمجموعة أخرى فيها حروف المد، ومعها الهمزة، وسماها هوائية، وإن كان أخطأ في موضع الهمزة، على ما يرى الدكتور كمال بشر(61) وفي تسميته لحروف المد بالهوائية أتى بأهم خاصة من خواص الحركات، وهي حرية مرور الهواء في حال النطق بها، فلا يقف في طريقها عائق، أو لا يتعلق بها شيء، حسب عبارته.‏

*أما ابن جني فيستوقفنا فصل في كتابه سر الصناعة دعاه (ذوق أصوات الحروف)، فيه نقرأ قوله(62) (سبيلك إذا أردت اعتبار صدى الحرف أن نأتي به ساكناً لا متحركاً، لأن الحركة تقلق الحرف عن موضعه ومستقره، وتجتذبه إلى جهة الحرف التي هي بعضه، ثم تدخل عليه همزة الوصل مكسورة من قبله، لأن الساكن لا يمكن الابتداء به، فنقول اك، اق، اح، وكذلك سائر الحروف، إلا أن الحروف أشد حصراً للصوت من بعضها، ألا تراك تقول في الدال والطاء واللام اد، اط، ال، ولا تجد للصوت منفذاً هناك..).‏

*يعتمد ابن جني في ذوقه للحروف هنا على أساس اعتمده قبله الخليل، وفي قوله هذا نلاحظ إدراكه الواضح لأهم ما يميز الحروف الصامتة من الصائتة، فالأولى قد يقف هواؤها وقوفاً تاماً (فلا تجد للصوت منفذاً هناك، والثانية (حروف المد) يمتد فيها الهواء في مجراه ويستمر في الامتداد لا يمنعه شيء حتى ينتهي بانتهاء نطق الصوت نفسه، يتابع فيقول (فإن اتسع مخرج الحرف حتى لا يقتطع الصوت عن امتداده واستطالته استمر الصوت ممتداً حتى ينفد.. فيفضي حسيراً إلى مخرج الهمزة، فينقطع بالضرورة عندها إذ لم يجد منقطعاً فيما فوقها، والحروف التي اتسعت مخارجها ثلاثة الألف ثم الياء ثم الواو)، وينبه الدكتور إبراهيم أنيس على أن طريقة ابن جني والخليل في ذوق الحروف لا تتحقق فيها الدقة التامة فيقول(63) (يجب الاحتراز في اختبار الصوت المجهور من الإتيان قبله بألف وصل، كما كان يفعل القدماء من علماء الأصوات، لأن الصوت حينئذ لا يتحقق فيه الاستقلال الذي هو أساس التجربة الصحيحة).‏

*على أن الفرق بين الصوت الصامت والصائت يبدو على نحو أوضح عند ابن جني في تصوير بارع ودقيق، عند مقارنته جهاز النطق عند الإنسان بالناي والعود، وقد ذكرنا هذا التصوير قبلاً، ونجتزئ منه هنا قوله(64) (وقد شبه بعضهم الحلق والفم بالناي، فإن الصوت يخرج فيه مستطيلاً أملس ساذجاً، كما يجري الصوت في الألف غفلاً بغير صنعة، فإذا وضع الزامر أنامله على خروق الناي المنسوقة، وراوح بين أنامله اختلفت الأصوات. وسمع لكل خرق منها صوت لا يشبه صاحبه، فكذلك إذا قطع الصوت في الحلق والفم باعتماد على جهات مختلفة كان سبب استماعنا هذه الأصوات المختلفة)، وهنا يميز ابن جني بين الصامت والصائت تمييزاً يوافق ما تجري عليه الدراسات اللغوية المعاصرة فهذا الصوت المستطيل الأملس هو الصائت الذي لا يعترضه عائق، وذلك الذي اعترضه ما يقطع امتداده هو الصوت الصامت، ويسمي ابن جني الصامت صحيحاً والصائت حرف مد واستطالة فقد قال(65) (جميع الحروف صحيحة إلا الألف والياء والواو اللواتي هن حروف المد والاستطالة.. إلا أن الألف أشد امتداداً وأوسع مخرجاً)، وفي نطق هذه الألف خاصة تتوضح ظاهرة حرية مرور الهواء وانطلاقه.‏

*ولم يكتف ابن جني بمجرد التمييز بين الصامت والصائت، بل تحدث عن الصوائت حديثاً خاصاً، وأدرك نوعاً من العلاقة يقوم بين الحركة وحروف المد يتوضح في النص التالي الذي يستوقف النظر (اعلم أن الحركات أبعاض حروف المد واللين، وهي الألف والياء والواو، فكما أن هذه الحروف ثلاثة، فكذلك الحركات ثلاث وهي الفتحة والكسرة والضمة، فالفتحة بعض الألف، والكسرة بعض الياء والضمة بعض الواو، وقد كان متقدمو النحويين يسمون الفتحة الألف الصغيرة والضمة الواو الصغيرة، وقد كانوا في ذلك على طريق مستقيمة)(66) ويؤخذ من هذا النص أمر هام هو أن الحركات تشترك مع حروف المد في ناحية النطق والوضوح السمعي، إلا أنها اقصر من تلك الحروف، فهي أبعاض لها، ودليل ابن جني على هذا أنك متى أطلت الحركة صارت حرف مد، وفي هذا يقول(67) (ويدلك على أن الحركات أبعاض لهذه الحروف أنك متى أشبع

_________________
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]

لا تلومن الأقدار فكم انطفأت بأيدينا شموع //////// وكم من حبائل ود مزقناها وعليها نسكب الدموع
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://usms.mountada.net
 
الصّوتيات عند ابن جني في ضَوء الدراسات اللغوية العربية والمعاصرة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى طلاب و طالبات كلية الآداب و العلوم الإنسانية -بني ملال- :: مسالك الإجازة الأساسية :: مسلك الدراسات العربية-
انتقل الى: